- بواسطة الإدارة
- 39 مشاهدة
- الطب النفسي
- 18 Jan, 2026
الامتصاص هو السر: لماذا لا تستفيد من الأكل الصحي؟
كثير من الأشخاص الذين يعانون من تشتت الانتباه، أو القلق، أو الضبابية الذهنية، يبذلون مجهوداً جباراً في تحسين نظامهم الغذائي؛ فيشترون الخضروات العضوية، ويقللون السكريات، ويلتزمون بتناول البروتينات عالية الجودة. ولكن، رغم كل هذا الالتزام، يظل الشعور بالإجهاد مستمراً، وتظل الكيمياء الدماغية مضطربة. من منظور طب النفس الغذائي والطب الوقائي، تكمن الإجابة في جملة واحدة: "أنت لست ما تأكل، بل أنت ما تمتص". خلال مسيرتي العلمية وتعمقي في الأبحاث الحيوية في أستراليا، ندرك أن "الامتصاص" هو الحلقة المفقودة التي تحول بينك وبين النقاء الذهني؛ فما فائدة أجود أنواع الوقود إذا كان "فلتر" المحرك مسدوداً؟
لماذا لا يعني "الأكل الصحي" بالضرورة "جسماً صحيحاً"؟
في فلسفة الدكتور أحمد كمال، نؤمن بأن الأصل في الإنسان الصحة، وأن الجسد مصمم ليعمل بكفاءة إذا حصل على مدخلاته. ومع ذلك، فإن النموذج الطبي التقليدي غالباً ما يتجاهل "كفاءة الامتصاص". قد تتناول وجبة غنية بالزنك والمغنيسيوم (المغذيات الذكية)، ولكن إذا كانت بيئة أمعائك غير مستقرة، فإن هذه المعادن ستمر عبر جهازك الهضمي دون أن تصل أبداً إلى خلايا دماغك.
الامتصاص هو عملية كيميائية حيوية معقدة تتطلب تناغماً بين عدة مستويات؛ بدءاً من حموضة المعدة، وصولاً إلى سلامة بطانة الأمعاء الدقيقة. إذا كان هناك خلل في أي مرحلة من هذه السلسلة، فإنك ستعاني من "مجاعة وسط الوفرة". هذا يعني أن خلاياك العصبية تصرخ طلباً للمغذيات بينما أنت تتناولها فعلياً، ولكنها ببساطة لا تصل إلى وجهتها. فهم هذه العوائق هو المفتاح الأول لاستعادة طاقتك ونقائك الذهني من الجذور.
بوابة الهضم الأولى: عندما يخذلنا حمض المعدة والإنزيمات
تبدأ رحلة الامتصاص الحقيقية في المعدة، وتحديداً مع حمض الهيدروكلوريك ($HCl$). هذا الحمض ليس فقط لهضم الطعام، بل هو "المفتاح" الذي يحرر المعادن والفيتامينات من الروابط الكيميائية في الغذاء. في حالات التوتر المزمن (وهي شائعة جداً لدى مصابي الـ ADHD والقلق)، يقل إنتاج هذا الحمض بشكل كبير.
عندما تنخفض حموضة المعدة (ارتفاع الـ $pH$)، لا يتم تكسير البروتينات إلى أحماض أمينية بشكل كامل، ولا يتم "تنشيط" المعادن مثل الزنك والمغنيسيوم للامتصاص. والنتيجة هي وصول قطع طعام غير مهضومة بالكامل إلى الأمعاء، مما يسبب التهاباً ويغذي البكتيريا الضارة (الميكروبيوم السلبي). لذا، قبل أن نتحدث عن نوع الأكل، يجب أن نتحدث عن كفاءة "المصنع الكيميائي" في معدتك وقدرته على استخراج الكنوز من طعامك.
الالتهاب الخفي: كيف تحجب أمعاؤك المغذيات الذكية؟
العائق الثاني، والأكثر خطورة في حالات الاضطرابات العصبية، هو الالتهاب الصامت في بطانة الأمعاء. هذه البطانة هي "الفلتر" الذكي الذي يقرر ما يدخل لدمك وما يخرج كفضلات. عندما تعاني من "أمعاء مرتشحة" (Leaky Gut) أو حساسيات غذائية غير مكتشفة، يتورم هذا الفلتر وتلتهب زغيبات الامتصاص الدقيقة.
في حالة الالتهاب، يغلق الجسم "بوابات الامتصاص" النشطة لبعض الفيتامينات والمعادن كآلية دفاعية. الأجسام لا تتشابه؛ فما يعتبره شخص ما "سوبر فود" قد يكون هو المسبب للالتهاب في أمعاء شخص آخر، مما يحرمه من امتصاص المغذيات الحيوية. في منهجنا، نركز على "ترميم" هذه البطانة أولاً عبر أحماض دهنية مخصصة ومضادات التهاب طبيعية، لضمان أن كل لقمة صحية تأكلها ستجد طريقها فعلياً لتغذية خلايا دماغك وتحسين حالتك النفسية.
العوامل البيئية والنفسية: هل تأكل وأنت في حالة استنفار؟
هناك بُعد نفسي وسلوكي للامتصاص غالباً ما نغفل عنه. الجهاز الهضمي يعمل تحت إشراف الجهاز العصبي "الباراسمبثاوي" (الراحة والهضم). إذا كنت تأكل وأنت تتابع الأخبار، أو تتصفح هاتفك، أو وأنت في حالة توتر، فإن جسدك يكون في وضع "القتال أو الهروب" (Sympathetic State). في هذه الحالة، يسحب الجسم الدم من الجهاز الهضمي ويوجهه للعضلات، ويتوقف إنتاج الإنزيمات واللعاب تماماً.
هذا يعني أنك حتى لو كنت تأكل أصح وجبة في العالم، فإن جسمك في تلك اللحظة غير مستعد لامتصاصها. طب النفس الغذائي يعلمنا أن "كيفية" الأكل لا تقل أهمية عن "ماذا" نأكل. تهيئة الجهاز العصبي عبر العصب الحائر قبل الوجبة هي أداة تشافي قوية تضمن لك الاستفادة القصوى من المغذيات الدقيقة، مما ينعكس على هدوئك النفسي واستقرار مزاجك طوال اليوم.
لماذا تظهر تحاليل الدم لديّ "طبيعية" بينما أشعر بكل أعراض نقص الفيتامينات؟
هذه واحدة من أكبر الفجوات في الطب التقليدي. تحاليل الدم تقيس ما "يدور" في مجرى الدم، ولكنها لا تخبرنا بما "وصل فعلياً" لداخل الخلايا أو الدماغ. قد يكون الفيتامين موجوداً في دمك ولكن الامتصاص الخلوي معطل بسبب الالتهاب أو نقص "العوامل المساعدة" (Co-factors). نحن نبحث في الأعراض الإكلينيكية والجذور الحيوية لنعرف ما إذا كان جسمك يستفيد حقاً من هذه المغذيات أم أنها مجرد أرقام في ورقة التحليل.
هل يمكن للمشروبات الغازية أو الكافيين الزائد أن يعطل امتصاص أكلي الصحي؟
بالتأكيد. المشروبات الغازية تحتوي على الفوسفات الذي يرتبط بالمعادن مثل الكالسيوم والمغنيسيوم ويمنع امتصاصها. أما الكافيين الزائد، فيمكن أن يسرع حركة الأمعاء بشكل يمنع المغذيات من البقاء فترة كافية للامتصاص، بالإضافة إلى أنه يستنزف فيتامينات $B$ التي يحتاجها الدماغ للتركيز. التوازن هو السر في توفير البيئة المناسبة للتشافي.
كيف أعرف إذا كانت أمعائي هي السبب في عدم استفادتي من الأكل؟
هناك علامات واضحة مثل: الشعور بالخمول المباشر بعد الأكل، الانتفاخ والغازات، وجود قطع طعام غير مهضومة في الفضلات، أو اشتهاء السكريات بشدة رغم تناول وجبات مشبعة. هذه العلامات تخبرنا أن "عملية المعالجة" داخل أمعائك متعطلة، وأنك بحاجة لدعم إنزيمي وترميم لبطانة الأمعاء لضمان جودة حياة عالية ونقاء ذهني مستدام.
إن إدراك أن "الامتصاص هو السر" يغير بوصلة تعاملك مع صحتك تماماً. أنت لست بحاجة لمزيد من الأكل، بل بحاجة لمزيد من "الاستفادة". الأصل في الإنسان الصحة، وعندما نوفر للجسد البيئة الهضمية الصحيحة ونزيل عوائق الالتهاب، فإنه يبهرنا بقدرته على التشافي الذاتي واستعادة طاقته. الوعي والمعرفة هما أولى خطوات التعافي؛ فبمجرد أن تفهم لغة أمعائك، تصبح قادراً على اختيار نمط حياة يدعم دماغك وجهازك العصبي من الجذور. التشافي رحلة تبدأ من لقمة مهضومة جيداً، وتمكين جسدك من الامتصاص هو أعظم استثمار لنقائك الذهني وجودة حياتك.