• بواسطة الإدارة
  • 27 مشاهدة
  • العلاج النفسي
  • 11 Feb, 2026

بيولوجيا النوم: لماذا يعاني مرضى الـ ADHD من الأرق؟

يعتبر النوم هو "المختبر الكيميائي" الذي يقوم فيه الدماغ بعمليات التنظيف والترميم اليومية. بالنسبة لمصاب الـ ADHD، لا يبدأ الصراع عند الاستيقاظ فقط، بل يمتد إلى ساعات الليل؛ حيث يجد نفسه عالقاً في دائرة مفرغة من "الأرق الفكري" وصعوبة الانفصال عن العالم. من منظور الطب الوقائي، الأرق في حالة الـ ADHD ليس مجرد "صعوبة في النوم"، بل هو اضطراب في البيولوجيا العصبية وفي إيقاع الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm). فهم لماذا يرفض دماغ الـ ADHD التوقف عن العمل هو المفتاح لتصميم نمط حياة يمنح هؤلاء الأفراد الراحة التي يحتاجونها للتعافي.

تأخر "ساعة" الميلاتونين ودور الدوبامين 

تشير الأبحاث في طب النفس الغذائي إلى أن دماغ المصاب بالـ ADHD قد يفرز هرمون النوم (الميلاتونين) بشكل متأخر عن الدماغ التقليدي بحوالي ساعة ونصف إلى ساعتين. هذا التأخر البيولوجي يجعل الشخص "بومة ليلية" بطبعه، حيث يجد قمة نشاطه الذهني عندما يبدأ الآخرون في النوم. بالإضافة إلى ذلك، فإن نقص الدوبامين يجعل الدماغ يبحث عن "إثارة أخيرة" قبل النوم (مثل تصفح الهاتف)، مما يرسل إشارات ضوئية وكيميائية للدماغ بأن الوقت لا يزال نهاراً، مما يعطل عملية النوم أكثر فأكثر.

القشرة الجبهية وضعف التحكم في "مفتاح الإطفاء"

 كما ذكرنا في الوظائف التنفيذية، فإن القشرة الجبهية هي المسؤولة عن كبح الاندفاعات. في الليل، تضعف قدرة هذا "المدير التنفيذي" على إيقاف سيل الأفكار أو كبح الرغبة في القيام بنشاط ما. الدماغ التقليدي يستطيع "إغلاق الملفات" المفتوحة خلال اليوم، بينما يظل دماغ الـ ADHD يعالج كل فكرة وكل شعور حدث خلال الـ 24 ساعة الماضية، مما يخلق حالة من اليقظة المفرطة. هذا الإجهاد العصبي الليلي يمنع الجسم من الوصول إلى مراحل النوم العميق الضرورية لتثبيت المعلومات وترميم الخلايا.

الجذور الغذائية والبيئية للأرق

 بناءً على ما تعلمته من خبراء أستراليا، نجد أن صحة الأمعاء تلعب دوراً خفياً في جودة النوم. فالسيروتونين، الذي يُصنع معظمه في الأمعاء، هو السلف الكيميائي للميلاتونين. إذا كانت الأمعاء تعاني من التهابات أو خلل بكتيري، فلن يتمكن الجسم من إنتاج ما يكفي من هرمون النوم. كما أن نقص المغنيسيوم، الذي يعمل كمرخٍ طبيعي للأعصاب والعضلات، يفاقم حالة التوتر الليلي. إن الوعي بهذه الروابط الحيوية يجعلنا ندرك أن تحسين النوم يبدأ من طبق الطعام ومن التعرض للضوء الطبيعي نهاراً، وليس فقط من غرفة النوم.

لماذا تزداد الأفكار الإبداعية لدى مريض الـ ADHD قبل النوم مباشرة؟

 في وقت السكون، يتوقف الضجيج الخارجي الذي يشتت المصاب نهاراً، مما يمنح دماغه مساحة "للربط" بين الأفكار بعيداً عن ضغوط المهام اليومية. هذا النشاط الذهني، رغم كونه إبداعياً، يعمل كمحفز يمنع الدماغ من الدخول في حالة الاسترخاء، ويحتاج الشخص لتعلم مهارات "تفريغ الدماغ" (Brain Dumping) قبل النوم لتحويل هذه الطاقة إلى هدوء.

هل تساعد الأدوية المنومة في حل مشكلة أرق الـ ADHD بشكل دائم؟

 الأدوية المنومة غالباً ما تكون حلاً مؤقتاً يسكن العرض ولا يعالج الجذر، وقد تؤثر على جودة مراحل النوم العميق. التوجه الصحيح هو تمكين الجسم من استعادة إيقاعه الفطري من خلال تنظيم الوجبات، تعويض النواقص من المغنيسيوم، وضبط "النظافة النومية" (Sleep Hygiene) لتتماشى مع طبيعة الدماغ المختلفة.

إن فهم بيولوجيا النوم لدى مصاب الـ ADHD يزيل عبء اللوم عن عاتقه؛ فهو ليس كسالاً أو "مهووساً بالسهر"، بل هو دماغ يحتاج لبروتوكول خاص للهدوء. الأصل في الإنسان الصحة، والنوم الجيد هو حق أصيل للجسم لاستعادة طاقته. الوعي والمعرفة هما طريقك للتشافي، وبناء أسلوب حياة يحترم ساعة جسمك البيولوجية هو الضمان الحقيقي لنقاء ذهني وجودة حياة عالية تمنحك القوة لمواجهة تحديات يومك بكل وعي.