• بواسطة الإدارة
  • 40 مشاهدة
  • الطب النفسي
  • 18 Jan, 2026

السكر وفرط الحركة: حقيقة أم أسطورة علمية؟


السكر وفرط الحركة: حقيقة أم أسطورة علمية؟

لطالما ارتبط اسم "السكر" بصورة نمطية في أذهان الآباء والمربين، وهي صورة الطفل الذي يتحول إلى كتلة من الطاقة الهائجة بمجرد تناوله لقطعة حلوى. وبينما تحاول بعض الدراسات السطحية تصنيف هذا الارتباط كـ "أسطورة" أو "تأثير نفسي" لدى الآباء، فإن نظرة الطب الوقائي وطب النفس الغذائي التي نتبناها ترى الحقيقة من زاوية أعمق وأكثر تعقيداً. بالنسبة لمصاب الـ ADHD، السكر ليس مجرد سعرات حرارية زائدة، بل هو مادة كيميائية تتدخل بشكل مباشر في توازن الدماغ والجهاز الهضمي، مما يجعل تأثيره حقيقياً وملموساً على السلوك والتركيز.

تأثير السكر على "نظام المكافأة" المتذبذب دماغ المصاب بالـ ADHD يعاني أصلاً من "جوع كيميائي" للدوبامين، وهو الناقل المسؤول عن الشعور بالمكافأة. السكر المكرر يمنح الدماغ "دفعة" سريعة وضخمة من الدوبامين، وهو ما يفسر لماذا ينجذب هؤلاء الأشخاص بشدة للسكريات. لكن المشكلة تكمن في "الانهيار" الذي يعقب هذه الدفعة؛ حيث يرتفع الأنسولين بسرعة ليسحب السكر من الدم، مما يترك الدماغ في حالة من الخمول والضبابية الذهنية. هذا التذبذب الحاد يؤدي إلى نوبات من النشاط المفرط يتبعها نوبات من العصبية وتشتت الانتباه، وهو ما نسميه "دوامة السكر الكيميائية".

السكر والالتهاب العصبي الصامت بناءً على ما تعلمته خلال رحلتي في أستراليا، نؤمن بأن السكر هو المحفز الأول للالتهابات في الجسم. عند استهلاك السكريات بكميات تفوق طاقة الجسم، تبدأ عملية "الارتباط السكري" التي تزيد من الإجهاد التأكسدي داخل الخلايا العصبية. بالنسبة لمصاب فرط الحركة، فإن هذا الالتهاب الصامت يزيد من "الضجيج" داخل الدماغ، مما يجعل القشرة الجبهية (المسؤولة عن الهدوء والتركيز) أقل قدرة على أداء وظيفتها. لذا، نحن لا نتحدث عن أسطورة، بل عن استجابة بيولوجية تختلف حدتها من جسم لآخر بناءً على كفاءة التمثيل الغذائي وصحة الأمعاء.

هل يسبب السكر فرط الحركة لكل الأطفال؟ الأجسام لا تتشابه، وهذا هو جوهر فلسفتنا. بعض الأطفال لديهم حساسية عالية تجاه تذبذب مستوى الجلوكوز، بينما يعاني آخرون من خلل في الميكروبيوم يجعل السكر "وقوداً" للبكتيريا الضارة التي تفرز سموماً تؤثر على الجهاز العصبي. إن منع السكر ليس "عقاباً"، بل هو ضرورة حيوية لتوفير بيئة كيميائية هادئة تسمح للدماغ بالنمو والتشافي. الأصل في الإنسان الصحة، وتخليص الجسم من السموم البيضاء هو أول طريق الوعي بجودة الحياة.

لماذا تزداد أعراض الـ ADHD سوءاً في المساء بعد تناول السكريات؟ السكر يرفع مستوى هرمون "الكورتيزول" (هرمون التوتر) في الجسم كرد فعل على تذبذب مستويات السكر في الدم. ارتفاع الكورتيزول ليلاً يمنع الدماغ من الدخول في مرحلة الاسترخاء والترميم، مما يسبب الأرق ويزيد من حدة النشاط الاندفاعي في اليوم التالي نتيجة لعدم كفاية النوم والراحة العصبية.

هل المحليات الصناعية بديل آمن لمصاب الـ ADHD؟ إطلاقاً، فالمحليات الصناعية (مثل الأسبارتام) قد تكون أسوأ في تأثيرها على الجهاز العصبي؛ حيث تظهر الأبحاث أنها قد تؤثر على التوازن البكتيري في الأمعاء وتسبب اضطراباً في النواقل العصبية. الحل الحقيقي يكمن في تعويد الدماغ على الطعم الطبيعي للأغذية واستخدام بدائل طبيعية غير مكررة وبكميات مدروسة ضمن خطة غذائية مخصصة.

إن الوعي بالعلاقة بين السكر والسلوك هو الخطوة الأولى لتمكين الأسر من حماية أطفالهم. نحن لا نسعى لمجرد "منع الحلوى"، بل نسعى لبناء نمط حياة يمنح الدماغ طاقة مستقرة ونقاءً ذهنياً دائماً. التشافي يبدأ من فهمنا لما يدخل أجسامنا، والمعرفة هي السلاح الأقوى لاستعادة التوازن الفطري للجسد والعقل.